الرئيسية / اخر الاخبار / القرأن وتفسير / شرح باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتاب رياض الصالحين

شرح باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتاب رياض الصالحين

شرح باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

من كتاب رياض الصالحين

 

قال الله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]، وقال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [آل عمران: 110]، وقال تعالي: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [لأعراف: 199] وقال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر ﴾ [التوبة: 71]، وقال تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78 – 79].

 

قَالَ سَماحةُ العلَّامةِ الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

قال المؤلف – رحمه الله تعالى-: “باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” فالمعروف كلُّ ما عرفه الشرع وأقره من العبادات القولية والفعلية، الظاهرة، والباطنة، والمنكر: كلُّ ما أنكره الشرع ومنعه من أنواع المعاصي؛ من الكفر، والفسوق، والعصيان، والكذب، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك.

 

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب وفرض كفاية، إذا قام به من يكفي حصل المقصود، وإذا لم يقم به من يكفي؛ وجب على جميع المسلمين، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ فبدأ بالدعوة إلى الخير، ثم ثّنى بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذلك لأن الدعوة إلى الخير قبل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير هي بيان الخير للناس، بأن يدعوهم إلى الصلاة وإلى الزكاة، وإلى الحج، وإلى الصيام، وإلى بر الوالدين، وإلى صلة الأرحام، وما أشبه ذلك، ثم بعد هذا يأتي دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيأمر ويقول: صّل، إما على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، بأن يمسك برجل متهاون بالصلاة فيقول له: صلِّ.

 

وهناك مرحلة ثالثة وهي التغيير الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: ” من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده” ولم يقل فلينه عنه؛ لأن هذه مرحلة فوق النهي، ” فإن لم يستطع فبلسانه” وإن لم يستطع فبقلبه” اللسان هو مرحلة النهي عن المنكر الثانية، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يتكلم فإنه ينكر بقلبه، بكراهته وبغضه لهذا المنكر.

 

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى أمور:

الأمر الأول: أن يكون الإنسان عالمًا بالمعروف والمنكر، فإن لم يكن عالمًا بالمعروف فإنه لا يجوز أن يأمر به، لأنه يأمر بماذا؟ قد يأمر بأمر يظنه معروفًا وهو منكر ولا يدري، فلابد أن يكون عالمًا أن هذا من المعروف الذي شرعه الله ورسوله، ولابد أن يكون عالمًا بالمنكر، أي: عالمًا بأن هذا منكر، فإن لم يكن عالمًا بذلك؛ فلا ينه عنه؛ لأنه قد ينهى عن شيء هو معروف فيترك المعروف بسببه، أو ينهى عن شيء وهو مباح فيضيق على عباد الله، بمنعهم مما أباح الله لهم، فلابد أن يكون عالمًا بأن هذا منكر، وقد يتسرع كثير من إخواننا الغيورين، فينهون عن أمور مباحة يظنونها منكرًا فيضيقون على عباد الله.

 

فالواجب أن لا تأمر بشيء إلا وأنت تدري أنه معروف، وأن لا تنه عن شيء إلا وأنت تدري أنه منكر.

 

الأمر الثاني: أن تعلم بأن هذا الرجل تارك للمعروف أو فاعل للمنكر، ولا تأخذ الناس بالتهمة أو بالظن، فإن الله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا ﴾ [الحجرات: 12]، فإذا رأيت شخصًا لا يصلي معك في المسجد، فلا يلزم من ذلك أنه لا يصلي في مسجد آخر؛ بل قد يصلي في مسجد آخر، وقد يكون معذورًا، فلا تذهب من أجل أن تنكر عليه حتى تعلم أنه يتخلف بلا عذر.

 

نعم لا بأس أن تذهب وتسأله، وتقول: يا فلان، نحن نفقدك في المسجد، لا بأس عليك، أما أن تنكر أو أشد من ذلك أن تتكلم فيه في المجالس، فهذا لا يجوز؛ لأنك لا تدري؛ ربما أنه يصلي في مسجد آخر، أو يكون معذورًا.

 

ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفهم أولًا قبل أن يأمر، فإنه ثبت في صحيح مسلم أن رجلًا دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلس ولم يصل تحية المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « أصليت؟ » قال: لا، قال: «قم فصل ركعتين»، ولم يأمره أن يصلي ركعتين حتى سأله: هل صلى أم لا؟ مع أن ظاهر الحال أنه رجلٌ دخل وجلس ولم يصل، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام خاف أن يكون قد صلى وهو لم يشعر به، فقال: «أصليت؟» فقال: لا، قال: «قم فصل ركعتين».

 

كذلك في المنكر لا يجوز أن تنكر على شخص إلا إذا علمت أنه وقع في المنكر، فإذا رأيت امرأة مع شخص في سيارة مثلًا، فإنه لا يجوز أن تتكلم عليه أو على المرأة؛ لأنه ربما تكون هذه المرأة من محارمه؛ زوجة، أو أم، أو أخت، أو ما أشبه ذلك، حتى تعلم أنه قد أركب معه امرأة ليست من محارمه، أو وُجِدت شبهة قوية، وأمثال هذا كثيرٌ. المهم أنه لابُد من علم الإنسان بأن هذا معروف ليأمر به، أو منكر لينهى عنه، ولا بد أن يعلم أيضًا أن الذي وجّه إليه الأمر أو النهي قد وقع في أمر يحتاج إلى أمر فيه أو نهي عنه.

 

ثم إن الذي ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون رفيقًا بأمره في نهيه؛ لأنه إذا كان رفيقًا أعطاه الله – سبحانه وتعالى – ما لا يعطي على العنف، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»، فأنت إذا عنَّفت على من تنصح ربما ينفر، وتأخذه العزة بالإثم، ولا ينقاد لك، ولكن إذا جئته بالتي هي أحسن فإنه ينتفع.

 

ويُذكر – قديمًا – أن رجلًا من أهل الحسبة – يعني من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر- مرّ على شخص يستخرج الماء من البئر على إبله عند أذان المغرب، وكان من عادة هؤلاء العمال أن يحدوا بالإبل، يعني يُنشدون شعرًا من أجل أن تخف الإبل؛ لأن الإبل تطرب لنشيد الشعر، فجاء هذا الرجل ومعه غيره، وتكلم بكلام قبيح على العامل الذي كان متعبًا من العمل وضاقت عليه نفسه فضرب الرجل بعصا طويلة متينة كانت معه – فشرد الرجل وذهب إلى المسجد والتقى بالشيخ – عالم من العلماء من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – وقال: إني فعلت كذا وكذا، وإن الرجل ضربني بالعصا، فلما كان من اليوم الثاني ذهب الشيخ بنفسه إلى المكان قبل غروب الشمس، وتوضأ ووضع مشلحه على خشبه حول البئر، ثم أذن المغرب فوقف كأنه يريد أن يأخذ المشلح، فقال له: يا فلان… يا أخي جزاك الله خيرًا، أنت تطلب الخير في العمل هذا، وأنت على خير، لكن الآن أُذِّن للمغرب، لو أنك تذهب وتصلي المغرب وترجع ما فاتك شيء، وقال له كلامًا هينًا، فقال له: جزاك الله خيرًا، مرَّ علىَّ أمس رجل جلف قام ينتهرني، وقال لي كلامًا سيئًا أغضبني، وما ملكت نفسي حتى ضربته بالعصا، قال:

الأمر لا يحتاج إلى ضرب، أنت عاقل، ثم تكلم معه بكلام لين، فأسند العصا التي يضرب بها الإبل ثم ذهب يصلي بانقياد ورضا.

 

وكان هذا لأن الأول عامله بالعنف، والثاني عامله بالرفق، ونحن وإن لم تحصل هذه القضية فلدينا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، وما ينزع من شيء إلا شانه» فعلى الآمر أن يحرص على أن يكون أمره ونهيه رفيقًا.

 

الشرط الثالث: أن لا يزول المنكر إلى ما هو أعظم منه، فإن كان هذا المنكر لو نهينا عنه، زال إلى ما هو أعظم منه، فإنه لا يجوز أن ننهى عنه، درءًا لكبرى المفسدتين بصغريهما؛ لأنه إذا تعارض عندنا مفسدتان وكان إحداهما أكبر من الأخرى؛ فإننا نتقي الكبرى بالصغرى.

 

مثال ذلك: لو أن رجلًا يشرب الدخان أمامك فأردت أن تنهاه وتقيمه من المجلس، ولكنك تعرف أنك لو فعلت لذهب يجلس مع السكارى، ومعلوم أن شرب الخمر أعظم من شرب الدخان، فهنا لا ننهاه؛ بل نعالجه بالتي هي أحسن لئلا يؤول الأمر إلى ما هو أنكر وأعظم.

 

ويُذكر أن شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله عليه- مرَّ بقوم في الشام من التتار ووجدهم يشربون الخمر، وكان معه صاحب له، فمرَّ بهم شيخ الإسلام ولم ينههم، فقال له صاحبه: لماذا لم تنههم؟ قال: لو نهيناهم لذهبوا يهتكون أعراض المسلمين وينهبون أموالهم، وهذا أعظم من شربهم الخمر، فتركهم مخافة أن يفعلوا ما هو أنكر وأعظم، وهذا لا شك أنه من فقهه رحمه الله.

 

الشرط الرابع: اختلف العلماء – رحمهم الله- هل يشترط أن يكون الآمر والناهي فاعلًا لما أمر به، تاركًا لما نهى عنه أو لا؟ والصحيح أنه لا يشترط، وأنه إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ولم كان لا يفعل المعروف ولا يتجنب المنكر، فإن ذنبه عليه، لكن يجب أن يأمر وينهى، لأنه إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفعل المأمور ولا يترك المحظور، لأضاف ذنبًا إلى ذنبه، لذا فإنه يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإن كان يفعل المنكر ويترك المعروف.

 

ولكن في الغالب بمقتضى الطبيعة الفطرية أن الإنسان لا يأمر الناس بشيءٍ لا يفعله، بل يستحي، ويخجل، ولا ينهى الناس عن شيء يفعله. لكن الواجب أن يأمر بما أمر به الشرع وإن كان لا يفعله وأن ينهي عما نهي عنه الشرع، وأن كان لا يتجنبه؛ لأن كل واحد منهم واجب منفصل عن الآخر، وهما متلازمين.

 

ثم إنه ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقصد بذلك إصلاح الخلق وإقامة شرع الله، لا أن يقصد الانتقام من العاصي، أو الانتصار لنفسه، فإنه إذا نوى هذه النية لم ينزل الله البركة فلي أمره ولا نهيه؛ بل يكون كالطبيب يريد معالجة الناس ودفع البلاء عنهم، فينوى بأمره ونهيه أولًا: إقامة شرع الله، وثانيًا: إصلاح عباد الله، حتى يكون مصلحًا وصالحًا، نسأل الله أن يجعلنا من الهُداة المهتدين المصلحين إنه جواد كريم.

 

وفي ختام الآية يقول الله – عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾.

 

﴿ وَأُولَئِكَ ﴾ المشار إليهم تلك الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والمفلح هو الذي فاز بمطلوبه ونجا من مرهوبه.

 

وهنا قال: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ وهذه الجملة تفيد عند أهل العلم باللغة العربية الحصر، أي أن الفلاح إنما يكون لهؤلاء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير.

 

ثم قال الله – عزَّ وجلَّ – بعدها: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات ﴾ [آل عمران: 105]، والنهي عن التفرق بعد ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدل على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق، وذلك أن الناس إذا كانت لهم مشارب متعددة مختلفة تفرقوا، فهذا يعمل طاعة، وهذا يعمل معصية، وهذا يسكر، وهذا يصلي، وما أشبه ذلك، فتتفرق الأمة، ويكون لكل طائفة مشرب، ولهذا قال: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا ﴾.

 

إذن لا يجمع الأمة إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو أن الأمة أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، وتحاكمت إلى الكتاب والسنة، ما تفرقت أبدًا، ولحصل لهم الأمن، ولكان لهم أمن من أشد من كل أمن. كما قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]، الدول الكبرى والصغرى – الآن – كلها تكرس جهودًا كبيرةً جبارة لحفظ الأمن، ولكنّ كثيرًا من المسلمين غفلوا عن هذه الآية، الأمن التام موجود في هاتين الكلمتين: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ إذا تحقق الإيمان في الشعب، ولم يلبس إيمانه بظلم فحينئذ يحصل له الأمن.

 

وأضرب مثلًا قريبًا للأفهام بعيدًا في الأزمان، في صدر هذه الأمة المباركة كان أكبر مسؤول فيها ينام وحده في المسجد، ويمشي في السوق وحده، لا يخاف إلا الله، عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يكوم الحصبة في المسجد وينام عليها، ليس عنده حارس ولا يحتاج لأحد يحرسه؛ لا في السوق ولا في بيته ولا في المسجد؛ لأن الإيمان الخالص الذي لم يلبس بظلم، إي لم يخلط بظلم كان في ذلك الوقت، فكان الناس آمنين.

 

ثم ذهب عهد الخلفاء الراشدين وجاء عهد بني أمية، وصار في أمراء بني أمية من حاد عن سبيل الخلفاء الراشدين، فحصل الاضطراب، وحصلت الفتن، وقامت الخوارج، وحصل الشر.

 

ثم جاء عهد عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- فاستتب الأمن، وأصبح الناس يسافرون ويذهبون ويجيئون وهم آمنون، ولكن الله – عزَّ وجلَّ – من حكمته لم يُمدَّ له في الخلافة، فكانت خلافته سنتين وأشهرًا. فالمهم أن الأمن كل الأمن ليس بكثرة الجنود، ولا بقوة السلاح، ولا بقوة الملاحظة والمراقبة، ولكن الأمن في هذين الأمرين فقط: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82].

 

ثم ذكر المؤلف – رحمه الله – في سياق الآيات قول الله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، كل واحد يتولى الثاني، ينصره ويساعده، وأنظر إلى هذه الآية في المؤمنين حيث قال: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ وفي المنافقين قال: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 67] وليسوا أولياء لبعض؛ بل المؤمن هو ولي أخيه، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

 

وفي هذه الآية دليلٌ على أن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست خاصة بالرجال، بل حتى النساء عليهنَّ أن يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر، ولكن في حقول النساء، ليس في مجامع الرجال وفي أسواق الرجال، لكن في حقول النساء ومجتمعات النساء؛ في أيام العرس، وفي أيام الدراسة، وما أشبه ذلك، إذا رأت المرأة منكرًا تنهى عنه، وإذا رأت تفريطًا في واجب تأمر به؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مؤمن ومؤمنه: ﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، نسأل الله أن يعمنا وإيَّاكم برحمته ومغفرته.

 

وذكر رحمه الله هذه الآية: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [المائدة: 78]، «اللعن»: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله والعياذ بالله، ولا يستحقه إلا من فعل كبيرة من كبائر الذنوب.

 

وبنو إسرائيل هم بنو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فإسرائيل هذه لقب ليعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إبراهيم له ولدان: إسماعيل وإسحاق، إسماعيل هو الولد الأكبر وهو الذي أمره الله بذبحه، ثم منَّ الله عليهما جميعًا برفع هذا الأمر ونسخه، وفداه الله عزَّ وجلَّ بذبح عظيم، وأما إسحاق فهو الولد الثاني لإبراهيم وهو من زوجته، وأمَّا إسماعيل فهو من سُرِّيتِه هاجر – رضي الله عنها – فبنو إسرائيل هم من نسل يعقوب بن إسحاق، وأرسل الله إليهم الرسل الكثيرة، وكان منهم المعتدون الذين يقتلون الأنبياء بغير حق، والعياذ بالله.

 

وكانوا أيضًا لا ينهون عن منكر فعلوه، بل يرى بعضهم المنكر ولا ينهى عنه، وقصة القرية التي كانت حاضرة البحر مشهورة معلومة في القرآن الكريم، وهم قوم من اليهود حرَّم الله عليهم الصيد من البحر يوم السبت، فكان في يوم السبت تأتي الحيتان شُرَّعًا على وجه الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فطال عليهم الأمد، فقالوا: لابد أن نتخذ حيلة نتوصل بها إلى الصيد فقالوا: نضع شِباكًا في البحر، فإذا جاءت الحيتان يوم السبت مسكتها الشباك، فإذا كان يوم الأحد أخذناها ففعلوا ذلك، فكان منهم قومٌ يعظون وينهون عن هذا المنكر، وقوم ساكتون، وقوم فاعلون، فعاقبهم الله – عزَّ وجلَّ – وقال: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين ﴾، فكانوا – والعياذ بالله- قردة، بنو آدم انقلبوا قردة خاسئين أذلة.

 

والشاهد من هذا: أن فيهم قومًا لم يعظوا ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم من النهي عن المنكر، فكانوا ممن دخلوا في هذه اللعنة، ولهذا قال: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [المائدة: 78]، وداود متأخر عن موسى بكثيرة وعيسي بن مريم كذلك، فهذان النَّبيَّان لعنا الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه، وقد حكى الله ذلك عنهما مقرًّا ذلك، فصار من لا يتناهى عن المنكر من الملعونين، والعياذ بالله.

 

وفي ذلك دليلٌ على وجوب النهي عن المنكر، وعلى أن تركه سبب للعن والطرد عن رحمة الله.

 

المصدر: «شرح رياض الصالحين» (2 /402 – 413)




Source link

عن admin

شاهد أيضاً

مداخل الشيطان: الرياء

مداخل الشيطان الرياء   إن الرياء باب فسيح من الأبواب التي يلج الشيطان منها إلى …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: