الرئيسية / اخر الاخبار / القرأن وتفسير / الدفوع الموضوعية في دعوى الطاعة الزوجية

الدفوع الموضوعية في دعوى الطاعة الزوجية


ملخص الرسالة

الدفوع الموضوعية في دعوى الطاعة الزوجية

 

الحمد لله الذي حرَّم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرمًا، وشرع القضاء لرفع هذا الظلم عمن وقع عليه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إمام المتقين وسيد الخلق أجمعين وقاضي المسلمين الأول الذي حكم فعدل وقضى فأنصف، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين، أما بعد:

 

فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، كما ذكر ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – والقضاء العادل هو أساس استقرار الحكم ودوامه والسياج الذي يحمي الأمن ويوطد أركانه؛ ولهذا اهتم الإسلام بالقضاء وأولاه عنايته ورعايته.

 

وحتى يحقق القضاء المقصد الذي شُرع لأجلِه حثَّ الإسلام على اختيار من يتولى هذا المنصب الخطير أن يكون على قدر كبير من التقوى والعلم؛ لأن التقوى إذا انعدمت في القاضي انتشر الظلم، وإذا انعدم العلم قضى القاضي عن جهل، والقضاة في الإسلام ثلاثة؛ لما روي عن بريدة عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، رجل قضى بغير حق يعلم بذلك فذلك في النار وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار وقام قضى بالحق فذلك في الجنة)[1].

 

ولقد خلق الله عزَّ وجلَّ آدم عليه السلام وخلق منه زوجه وجعل بينهما المودة والألفة والرحمة؛ وذلك ليسكن إليها ويعمر الله بهما الكون، وهذا هو الأصل في الخلق فيقول الله – عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].

 

ولكن الشيطان – لعنه الله – عندما أحس أن الله – عزَّ وجلَّ – فضل آدم – عليه السلام -وكرمه عليه، وشعر أن آدم – عليه السلام – كان سببًا في إخراجه من الجنة فقد توعده بأن يضله ويغويه هو وذريته وأن يفرق بينه وبين زوجه ويسبب لهما الشقاء في الدنيا والآخرة، قال – عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الحجر: 39].

 

وقال أيضًا: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 102].

 

وطاعة الزوج واجبة على الزوجة لقوله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ [النساء: 34].

 

وجه الدلالة من الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قرر القوامة للرجال على النساء، والقوامة هنا بمعنى الطاعة.

 

وإن لهذه الطاعة حدودًا وهي ألا تكون في معصية الله تعالى؛ حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)[2].

 

ولما كانت طاعة الزوجة لزوجها واجبة فقد يختلف الاثنان على أداء هذا الواجب فيدعي الزوج عدم الطاعة؛ ولكن للزوجة الحق في إثارة الدفوع الموضوعية على دعوى الطاعة الزوجية ذاتها أو على معاملة الزوج وأمانته أو على مسكن الطاعة الزوجية ولوازمه… الخ.

 

بعد أن تثبت الزوجة تلك الدفوع بالبينة المقنعة الأمر، الذي يجعل القاضي يصدر حكمه برد دعوى الطاعة الزوجية التي أقامها الزوج أو الحكم على المسكن بأنه غير شرعي، وبالتالي يكلف القاضي الزوج بتهيئة مسكن غيره.

 

وهكذا فإن دعوى الطاعة الزوجية مثلها كمثل جميع الدعاوى فقد ترد عليها جميع أنواع الدفوع الشكلية والموضوعية والدفع بعدم القبول، ولكنني في هذا البحث سأتناول – إن شاء الله – الدفوع الموضوعية التي ترد على دعوى الطاعة فقط.

 

وإني أسأل الله تعالى أن يوفقني في ذلك وأن يجعل بحثي هذا خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به طلبة العلم الشرعي خاصة وجميع المسلمين عامة إنه ولى ذلك وهو على كل شيء قدير.

 

أهمية الموضوع:

1- يعد موضوع الطاعة الزوجية من المواضيع الأساسية والمصيرية في حياة أهم عنصرين في المجتمع وهما الزوجان، فإذا كانت حياتهما مستقرة كان المجتمع مستقرًّا وإذا كانت حياتهما متشتتة كان المجتمع متشتتًا، ومن ثم فإن إثارة الدفوع الموضوعية على دعوى الطاعة هو السبيل الوحيد لرد تلك الدعوى، أو تأخير الحكم فيها.

 

2- إن إقامة دعوى الطاعة الزوجية من قبل الزوج وإثارة الدفوع الموضوعية عليها من قبل الزوجة هو حق كفلته لهما الشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية.

 

3- إن بيان حق المرأة في إثارة الدفوع الموضوعية على دعوى الطاعة الزوجية وإمكانية ردها هو دليل واضح على إكرام الإسلام واهتمامه العظيم بالمرأة وحقها في تحديد مصيرها وإعطائها الحق في الدفاع عن نفسها بكل جرأة وحرية، وهذا يدحض الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام فيتهمونه بأنه يظلم المرأة ويحقرها ويستعبدها ويهضم حقوقها.

 

4 – إن أحكام الطاعة الزوجية مستمدة ومستنبطة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والمتمثلة في قانون الأحوال الشخصية الذي هو عبارة عن مواد قانونية مقننة لأحكام الشريعة الإسلامية.

 

أسباب اختيار الموضوع:

1- من أهم أسباب اختيار الموضوع أنه ذو أهمية عالية.

 

2- قلة المراجع التي تتحدث في موضوع الدفوع الموضوعية عامة، وفي دعوى الطاعة الزوجية خاصة، وقلة توفرها في المكتبات الشرعية في قطاع غزة.

 

3- ملاحظاتي بحكم عملي في المحاكم الشرعية بغزة، فقد لاحظت أن كلا الزوجين يجهلان المقصد الشرعي من جواز إقامة دعوى الطاعة الزوجية وحق الزوجة في إثارة الدفوع الموضوعية عليها لردها.

 

4- تحقيق هدف المصالحة والجمع بين الزوجين، وإنهاء النزاع بتوعيتهما وتبيين حق كل واحد منهما وواجباته تجاه الآخر من خلال الكتابة في دعوى الطاعة الزوجية والدفوع الموضوعية الواردة عليها.

 

5- خدمة المكتبة الإسلامية والعاملين في سلك القضاء الشرعي.

 

خطة البحث:

قسمت خطة بحثي إلى مقدمة، وفصل تمهيدي، وفصلين، وخاتمة.

الفصل التمهيدي: الدعوى والدفوع الواردة عليها، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: حقيقة الدعوى وأركانها وأنواعها وشروط صحتها.

المبحث الثاني: حقيقة الدفوع الواردة على الدعوى وأقسامها وأدلة مشروعيتها ووسائل إثباتها.

الفصل الأول: الطاعة الزوجية والإجراءات اللازمة لإقامة الدعوى فيها. وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: حقيقة الطاعة الزوجية وأدلة مشروعيتها والحكمة من وجوبها وأهم مظاهر الطاعة الزوجية.

المبحث الثاني: أسباب ومستند إقامة دعوى الطاعة الزوجية.

المبحث الثالث: الإجراءات العملية اللازمة لإقامة دعوى الطاعة الزوجية.

 

الفصل الثاني: الدفوع الموضوعية التي تتعلق بشروط قبول دعوى الطاعة الزوجية والآثار المترتبة على حكم القاضي بمشروعية المسكن فيها.

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: الدفوع الموضوعية التي تتعلق بالزوج والجيران وأهل الخبرة الذين يخبرون بشرعية مسكن الطاعة الزوجية.

المبحث الثاني: الدفوع الموضوعية التي تتعلق بالزوجة ومن يشاركها في مسكن الطاعة الزوجية.

المبحث الثالث: الدفوع الموضوعية التي تتعلق بمسكن الطاعة الزوجية وملحقاته.

المبحث الرابع: الآثار المترتبة على حكم القاضي بمشروعية مسكن الطاعة الزوجية.

الخاتمة: سيكون فيها أهم نتائج البحث وبعض التوصيات.

 

منهج البحث:

1- اعتمدت في كتابة بحثي على المراجع والمصادر الأصلية ما أمكنني ذلك.

2- تحريت الأمانة العلمية في نقل المعلومة وإرجاعها إلى أصلها، والدقة في عرض آراء العلماء بالرجوع إلى مصادرها.

3- عرضت آراء المذاهب الفقهية في المسألة المختلف فيها إن وجدت.

4- عزوت الآيات إلى سورها، وخرجت الأحاديث من مظانها.

5- قمت بتعريف المصطلحات لغة واصطلاحًا.

6- تجنبت الإطالة في الموضوعات إلا إذا لزم ذلك.

7- قمت بعرض الفصول والمباحث والمطالب بشكل ملائم وواضح وسلس؛ بحيث يستطيع كل قارئ فهم المراد منها.

8- أوضحت في الحاشية معاني بعض الكلمات الصعبة مع التوثيق حسب الأصول.

 

9- ختمت رسالتي – بحول الله تعالى – بعدد من الفهارس لتكون دليلًا للقارئ وستكون على النحو التالي:

أ – فهرس للآيات القرآنية.

ب – فهرس للأحاديث الشريفة.

ج – فهرس للمراجع والمصادر.

د – فهرس للموضوعات.

 

الخاتمة:

أولًا: أهم النتائج:

من خلال الدراسة والبحث في مجال القضاء الشرعي في فلسطين، ومن خلال الاطلاع على القوانين المعمول بها في المحاكم الشرعية، ظهرت للباحث النتائج التالية:

1- إن تولي القضاء من أخطر الأمور وأعظمها وأهمها في حياة المجتمع.

 

2- إن القضاء الشرعي هو عيادة طبية، وجهة قضائية، ومؤسسة اجتماعية.

 

3- إن القضاء الشرعي يعنى بالفرد قبل ولادته؛ بفرض نصيبه في الميراث وهو جنين، ويعنى به في أثناء حياته، بمقاضاته مع خصمه، ويعني به بعد وفاته؛ بتقسيم تركته.

 

4- إن قانون الأحوال الشخصية وقانون حقوق العائلة المعمول به في فلسطين هو قانون قديم وقانون يقيد بالمذهب الحنفي، فهو بحاجة إلى تطوير وبحاجة إلى تغيير بما يتمشى ومصالح المجتمع الفلسطيني في ظل التغيرات التي مر بها هذا المجتمع.

 

5- إقرار بعض النظم والتعميمات وإنشاء بعض الهيئات من قبل رأس الهرم في جهاز القضاء دون الرجوع إلى الجهة المختصة بذلك، وهو المجلس التشريعي، مما جعل الجهاز القضائي في المحاكم الشرعية يتصف بعدم الاستقرار، كتعميم حضانة الطفل سواء الذكر أو الأنثى إلى خمسة عشر عامًا خلافًا للقانون، وكإنشاء نيابة الأحوال الشخصية وإنشاء المحكمة العليا…الخ.

 

6- افتقار المحاكم الشرعية إلى قانون ينظم عملها وعلاقة فروعها بعضها ببعض، وذلك على امتداد الوطن في غزة والضفة الغربية.

 

7- افتقار القانون الفلسطيني إلى شراح يصدرون مذكرات إيضاحية تبين وتفسر المواد القانونية التي يحتاج إليها القضاة خلال القضاء في الدعاوى داخل المحاكم الشرعية.

 

8- إن قانون أصول المحاكمات الشرعية المعمول به في المحاكم الشرعية بفلسطين هو قانون قديم بحاجة إلى تطوير وتعديل بحيث يواكب مصالح المجتمع.

 

9- إذا لم تشأ الزوجة أن تعيش مع زوجها في مسكن الطاعة الزوجية ولو بدون سبب فليس لأحد أن يجبرها على ذلك ولكن تسقط نفقتها الشرعية عن الزوج؛ لأنها تصبح ناشزًا ويبقى لها عليه الحقوق الأخرى المؤجلة كمهرها المؤجل إذا طلقها وانتهت عدتها منه وإذا عادت إلى طاعته عادت لها نفقتها عليه ويستثنى من ذلك فترة النشوز.

 

10- دائرة الإرشاد الأسري داخل المحاكم الشرعية بحاجة إلى تفعيل أقوى وأكبر، وإعطائها أهمية أكبر بحيث يشرف عليها قاض شرعي يختص بالإشراف عليها والتوقيع على الاتفاقيات التي تحصل بين الزوجين، وأن تكون لهذه الاتفاقية قوة الحكم في التنفيذ، وأن يراعى في دوائر الإرشاد الأسري عدم اختلاط الأزواج بالموظفات والاختلاء بهنَّ، وأن يكون موظفون رجال داخل هذه الدائرة.

 

ثانيًا: أهم التوصيات:

1- أن يقوم القضاة الشرعيون ورجال القانون في فلسطين بوضع قانون موحد يواكب التطورات الحديثة ويتمشى ومصالح المجتمع الفلسطيني ولا يتقيد بمذهب معين ويراعى فيه ظروف الشعب المحتل، ويتم عرضه على المجلس التشريعي لنيل الثقة.

 

2- أن يقوم القضاة الشرعيون ورجال القانون بالتعاون مع المجلس التشريعي بسن نظام من عدة مواد قانونية تنظم عمل المحاكم الشرعية بهيئاتها الثلاث: الابتدائية، والاستئناف، والعليا بما يضمن إحقاق الحق وإبطال الباطل وتسهيل مصالح المجتمع.

 

3- استحداث تخصص في كلية القضاء الشرعي يتعلق بشرح القوانين الشرعية من أصول محاكمات وأحوال شخصية وحقوق عائلة والعمل على تفسيرها وإيضاحها وإظهار الغرض منها.

 

4- التعاون بين جهاز القضاء الشرعي وجهاز الإعلام لبث البرامج الإرشادية لتوعية المجتمع بنظام الأسرة وقانون الأحوال الشخصية.

 

5- إدخال التكنولوجيا إلى المحاكم الشرعية في جميع مجالات العمل فيها.

 

6- العمل على ربط المحاكم الشرعية بعضها ببعض وربطها جميعا بديوان القضاء الشرعي بشبكة واحدة بالحاسوب (كأرشيف واحد) بحيث يسهل الاطلاع على المعاملات والتأكد من سلامتها وصحتها، حتى لا يحصل التزوير والتدليس على المحاكم وإخفاء الحقائق.

 

7- تفعيل صندوق النفقة وإتباعه إلى لجنة خاصة تقوم على الإشراف عليه للاستفادة منه في حل كثير من المشاكل.

 

8- استخدام الإنترنت في المحاكم الشرعية والعمل على اعتماد التبليغ بواسطة الإنترنت وخاصة إذا كان المدعى عليه خارج البلاد.


[1] رواه أبو داود في “سننه” كتاب: الأقضية، باب: في القاضي يخطئ (5/ 205)، وابن ماجه في “سننه” كتاب: الأحكام، باب: الحاكم يجتهد فيصيب الحق (4/ 10)، والترمذي في “سننه”، كتاب: الأحكام، باب: ما جاء عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في القاضي (3/ 395). وقال عنه الألباني: حديث حسن غريب. “صحيح الترغيب والترهيب” (2/ 258).

[2] “مسند أحمد”، كتاب: مسند العشرة المبشرين بالجنة، باب: ومن مسند علي بن أبي طالب، رقم الحديث (1098)، (حديث صحيح)، المرجع: “مشكاة المصابيح” (1/ 152).




Source link

عن admin

شاهد أيضاً

الفصول الأربعة في قصائد ديوان (مراكب ذكرياتي) للدكتور عبدالرحمن العشماوي

الفصول الأربعة في قصائد ديوان (مراكب ذكرياتي) للدكتور عبدالرحمن العشماوي يتناول المقال “الفصول الأربعة” في …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: