الرئيسية / اخر الاخبار / القرأن وتفسير / تفسير سورة المجادلة كاملة

تفسير سورة المجادلة كاملة

سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1]

تفسير سورة المجادلة

الآية 1: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ – مِن فوق سبع سماوات – ﴿ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا (وهي المرأة التي جاءت تجادلك – أيها الرسول – في شأن زوجها الذي قال لها: (أنتِ عليَّ كظَهر أمي)، أي مُحَرَّمة عليّ كحُرمة أمي التي ولدتني، فلا أقرَبُكِ ولا تَحِلِّين لي) (وقد كان هذا القول يُعتبر طلاقًا في الجاهلية)، ﴿ وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ يعني: وهي تتضرع إلى الله تعالى لتفريج كُربتها، ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا – مِن عليائه –﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لكل قول، ﴿ بَصِيرٌ بكل شيء.

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (تبارك الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصوات، إنّ المرأة لَتُناجي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، أسمَع بعض كلامها، ويَخفى عليَّ بعض، إِذ أنزل اللهُ تبارك وتعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾).

الآية 2: ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ أي يُحَرِّمون زوجاتهم على أنفسهم كحُرمة أمهاتهم عليهم (وهو ما يُعرَف بالظِهار)، فهؤلاء قد عصوا الله تعالى بهذا الظِهار وخالَفوا شرعه.

ثم أبطَلَ سبحانه هذا الظِهار – الذي يَظلم الزوجة – وبَيَّنَ أنها لا تصير أُمًّا بحال، فقال: ﴿ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ يعني: إنّ نسائهم لَسْنَ في الحقيقة أمهاتهم، إنما هُنّ زوجاتهم, و﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ يعني ما أمهاتهم ﴿ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ﴿ وَإِنَّهُمْ أي هؤلاء الأزواج المُظاهِرون ﴿ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا: أي يقولون قولًا كاذبًا فظيعًا لا حقيقة له، ولا يؤخَذ به في الشرع، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ أي يعفو عمَّن صَدَرَ منه بعض المُخالَفات – ويَغفر له ذنوبه – إذا تَداركها بالتوبة النصوح والاستغفار.

الآية 3، والآية 4: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ (وذلك بأن يقولوا لهنّ: (أنتِ عليَّ كظَهر أمي)، أي كحُرمتها) ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا أي يَعزمون على العودة للتي ظاهَروا منها (إذ كان الظِهار في الجاهلية طلاقًا)، فإذا رجع المُظاهرونَ منكم عن قولهم وعزموا على إتيان نسائهم: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يعني: فعلى الزوج المُظاهِر أن يُخرِج كفارة الظِهار (وهي عِتق رقبة مؤمنة، عبدًا كانَ أو جارية)، بشرط أن يَعتق الرقبة ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا: أي مِن قبل أن يُجامع زوجته التي حَرَّمها على نفسه، ﴿ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ: يعني ذلك هو حُكم الله فيمَن ظاهَرَ مِن زوجته، وقد وَعَظكم الله – أي أمَرَكم – بعدم الوقوع فيه، وأوجب هذه الكفارة على مَن وقع فيه; لكي لا تعودوا إليه أبدًا ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لا يَخفى عليه شيءٌ من أعمالكم، وسيُجازيكم عليها، ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رقبة يُعتقها، أو لم يستطع دفع ثمنها: ﴿ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعني: فعليه صيام شهرين متتاليين مِن قبل أن يُجامع زوجته, ﴿ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أن يصوم الشهرين لعُذر شرعي: ﴿ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا يعني: فعليه أن يُطعم ستين مسكينًا بما يُشبعهم، ﴿ ذَلِكَ الذي بيّنَّاه لكم من أحكام الظِهار ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وتعملوا بما شَرَعه الله لكم, وتتركوا ما كنتم عليه في جاهليتكم، (إذ الإيمان بالله ورسوله: اعتقادٌ وقولٌ وعمل)، ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني: تلك الأحكام هي أوامر الله وحدوده فلا تتجاوزوها, ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ – الذين يَجحدون شرائع الله وحدوده ويتعدونها – لهم ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ في نار جهنم.

الآية 5، والآية 6: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي يُعادونَ اللهَ ورسوله ويَكرهون شَرعه، أولئك ﴿ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي خُذِلوا وأُهينوا، كما خُذِل الذين خالَفوا أمْر الله ورُسُله مِن قبلهم, فأذاقهم اللهُ عذابه وأذلّهم، (وقد ذَكَرَ سبحانه لفظ (كُبِتُوا) بصيغة الماضي – مع أن عقابهم وإذلالهم لم يأتِ بعد – لتحقق وقوع ذلك العقاب في عِلم الله تعالى، إذ هذا كقوله سبحانه: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ))، ﴿ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ أي واضحاتٍ في الحُجَّة (تدل على أن شرع الله وحدوده حق)، ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ – الذين جحدوا آيات الله – لهم ﴿ عَذَابٌ مُهِينٌ يوم القيامة ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا: أي يوم يُحيي الله جميع الموتى ﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يوم القيامة، فقد ﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ أي حَفظه عليهم في صحائف أعمالهم ﴿ وَنَسُوهُ (لانشغالهم بالدنيا الفانية)، فلم يتوبوا، ولم يستغفروا، ولم يندموا على ما ضاع من عُمْرهم في المعاصي فاستحقوا العقوبة، كما قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)، ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (إذ شَهِدَ سبحانه على أعمال عباده في الدنيا، وسيُجازيهم بها في الآخرة).

الآية 7: ﴿ أَلَمْ تَرَ يعني ألم تعلم أيها الرسول ﴿ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ولا يَخفى عليه شيء؟، فـ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ يعني: ما يَتحدث ثلاثةٌ مِن خَلقه سرًّا إلا هو رابعهم بعلمه وإحاطته, ﴿ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ (بعلمه وإحاطته)، ﴿ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ يعني: ولا أقلُّ من هذه الأعداد المذكورة ولا أكثرُ منها ﴿ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ بعِلمه ﴿ أَيْنَ مَا كَانُوا (لا يَخفى عليه شيءٌ مِن أمْرهم)، فيَرى مكانهم ويَسمع كلامهم﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويُجازيهم عليه ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، (واعلم أن الله تعالى قد بدأ هذه الآيات بالعِلم وخَتَمَها بالعلم، ليُوَضِّح أنه سبحانه معهم بعِلمه وليس بذاته، إذ هو سبحانه قد أخبر عن نفسه قائلًا: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أي عَلا وارتفع على العرش – استواءً يليق بجلاله – فوق السماء السابعة، وهذه آية مُحكَمة، يعني لا تَحتمل أكثر مِن مَعنى).

الآية 8: ﴿ أَلَمْ تَرَ – أيها الرسول – ﴿ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى (وهم اليهود والمنافقون الذين نَهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحديث سرًّا بما يُثير الشك في نفوس المؤمنين)، ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ أي: ثم يَرجعون إلى ما نُهُوا عنه ﴿ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ أي يتحدثون سرًّا بما هو إثمٌ من القول، وإيذاءٌ للمؤمنين، ومُخالفةٌ لأمر الرسول؟ ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ يعني: وإذا جاءك – أيها الرسول – هؤلاء اليهود والمنافقون لأمر من الأمور: حَيَّوك بغير التحية التي شرعها الله لك، فقالوا: (السامُ عليك) أي الموت لك, واللهُ تعالى قد حَيَّى نبيّه بقوله: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، ﴿ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: ﴿ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ: يعني هَلاَّ يُعاقبنا اللهُ بما نقول لمحمد (إن كان رسولًا حقًا), فرَدَّ اللهُ عليهم قائلًا: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا أي تكفيهم جهنم يدخلونها ويُعانونَ من حَرِّها الشديد، ﴿ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ: أي فجهنم هي بئس المَرجع والمُستقَرّ لهم.

الآية 9: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ يعني إذا تحدثتم سرًا فيما بينكم: ﴿ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ: أي لا تتحدثوا بما فيه إثمٌ من القول، أو عُدوانٌ على غيركم, أو مٌخالفةٌ لأمر رسولكم (كما يفعل اليهود والمنافقون) ﴿ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى يعني: ولكن تحدثوا بما فيه خيرٌ وطاعة وإحسان ومَصلحة للمسلمين، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه)، فإنكم راجعونَ إليه بعد موتكم.

الآية 10: ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ: يعني إنما التحدث سرًا بالإثم والعدوان هو من وسوسة الشيطان (إذ هو المُزَيِّن لها والمُشَجِّع عليها)، وقد فعل الشيطانُ ذلك ﴿ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا: أي ليُدْخِل الحزن على قلوب المؤمنين (إذ كانَ يوسوس لهم بأنّ ذلك التَناجي والكيد والتدبير سوف يَضُرّهم)، ﴿ وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني: وليس ذلك بمؤذي المؤمنين شيئًا إلا بمشيئة الله تعالى وإرادته، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ وحده ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي فليَعتمدوا عليه في كل أمورهم.

الآية 11: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يعني إذا طُلِب منكم أن يُوَسِّع بعضكم لبعضٍ في المجالس فأوسعوا: ﴿ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ أي يُوَسِّع اللهُ لكم في الرزق، ويُوَسِّع لكم في قبوركم وفي غُرُفاتكم في الجنة، ﴿ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يعني: وإذا طُلِب منكم أن تقوموا مِن مَجالسكم لأمرٍ فيه خيرٌ لكم وطاعةٌ لربكم فسارِعوا بالقيام له: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ أي ليَرفع اللهُ مكانة المؤمنين المُطيعين منكم في الدنيا والآخرة ﴿ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ يعني: ويَرفع سبحانه أهل العلم منكم – أيها المؤمنون – درجات عالية في الجنة (لجَمْعهم بين الإيمان والعلم والعمل)، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فاتقوه وسارِعوا إلى امتثال أمره، (وفي الآية إشارة إلى مكانة العلماء وفضلهم ورفع درجاتهم).

الآية 12، والآية 13: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ هذا مَنسوخ بقوله تعالى:﴿ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ – بأنْ نَسَخَ ذلك الحُكم فضلًا منه ورحمة – ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، (لذلك لم أشأ أن أخوضَ في تفسير هاتين الآيتين).

من الآية 14 إلى الآية 19: ﴿ أَلَمْ تَرَ – أيها الرسول – ﴿ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وهم المنافقون الذين اتخذوا اليهود أصدقاء وناصَروهم عليكم؟!، ﴿ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ: يعني أولئك المنافقون ليسوا في الحقيقة من المسلمين ولا من اليهود، ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ أي يَحلفون كذبًا أنهم مُسلمون ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم كاذبون فيما حَلَفوا عليه، أولئك﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًالا يُطيقونه ﴿ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي قَبُحَ ما كانوا يَعملونه من النفاق والحَلف الكاذب، وقد﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً: أي جعلوا حَلفهم الكاذب وقايةً لهم من قتل المسلمين لهم وأخْذ أموالهم بسبب كُفرهم ﴿ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: أي فصَدُّوا المؤمنين – بذلك الحَلِف الكاذب – عن سبيل الله (وهو جهادهم وتطهير صفوف المسلمين منهم)، إذ كانوا يوقعون العداوة بين المسلمين، ويُثيرون المَخاوف والشكوك في قلوبهم، حتى يَصدوهم عن سبيل الله وهو الإسلام، وهم مُختبئون تحت عَباءته ﴿ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ أي يُذِلّهم ويُهينهم في نار جهنم، وحينئذٍ ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أي لن تدفع عنهم أموالهم وأولادهم مِن عذاب اللهِ شيئًا ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا أي اذكر أيها الرسول يوم يَبعث اللهُ هؤلاء المنافقين جميعًا يوم القيامة ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ: أي يَحلفون للهِ تعالى أنهم كانوا مؤمنين (مِثلما كانوا يَحلفون لكم أيها المؤمنون في الدنيا) ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ يعني: ويَعتقدون أنّ ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم في الدنيا عند المسلمين! ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ أي البالغونَ في الكذب حدًا لم يَبلغه غيرهم، وسبب ذلك أنه قد﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أي غَلَبهم الشيطان واستولى عليهم, حتى تركوا أوامر الله وذِكره والعمل بطاعته, ﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ وأتْباعه ﴿ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ في الدنيا والآخرة.

الآية 20: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي يُخالفون أوامر الله ورسوله ﴿ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ: أي في جُملة الأذِلاّء المغلوبينَ المُهانين في الدنيا والآخرة.

الآية 21: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي: أي كَتَبَ اللهُ في اللوح المحفوظ، وقضى بأن النَصر له ولكتابه ولرُسُله وعباده المؤمنين ﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ لا يُقهَر، ﴿ عَزِيزٌ لا يُغلَب.

الآية 22: ﴿ لَا تَجِدُ – أيها الرسول – ﴿ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أي يُصدِّقون بالله واليوم الآخر، ويَعملون بما شَرَعَ اللهُ لهم, فلا تجدهم أبدًا ﴿ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أي يُحبون ويُناصرون مَن عادَى اللهَ ورسوله وخالف أمْره وشرعه، فلا يَفعلون ذلك مع أحدٍ من الكفار ﴿ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (والعشيرة هم الأقرباء)، ﴿ أُولَئِكَ الذين يَنصرون دين الله ويُعادونَ أعدائه، قد ﴿ كَتَبَ اللهُ ﴿ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ أي ثَبَّتَ الإيمانَ في قلوبهم ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ يعني وقوَّاهم بنَصرٍ منه على عَدُوّهم في الدنيا، وقوَّاهم ببرهانٍ منه سبحانه (وهو حُجَج القرآن وأدلته الساطعة) ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ في الآخرة ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا (والفرحة تملأ وجوههم)، وقد﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – بسبب إيمانهم وطاعتهم – فلا يَغضب عليهم أبدًا, ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ يعني: وهُم قد رَضوا عن ربهم بما أعطاهم من الكَرامات ونعيم الجنات, ﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ وأولياؤه ﴿ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الفائزونَ بسعادة الدنيا والآخرة.


[1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: “التفسير المُيَسَّر” (بإشراف التركي)، وأيضًا من “تفسير السّعدي”، وكذلك من كتاب: “أيسر التفاسير” لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير.

– واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحديًا لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحيانًا نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.




Source link

عن admin

شاهد أيضاً

الثقة بالله

الثقة بالله   من هو أرحم الناس بنا؟ بحثتُ في وجه القريب والبعيد والعزيز والصديق …

اترك رد